محمد جواد مغنية

57

في ظلال نهج البلاغة

في كتاب « تاريخ الفلسفة في الاسلام » : ان آراء الفارابي في المدينة الفاضلة تقترب في فسادها من فلسفة « نيتشه » القائمة على بقاء الأقوى . . وإذا كانت هذه هي فلسفة أفلاطون أستاذ المعلم الأول ، وآراء الفارابي المعلم الثاني فما هي حال غيرها من النظريات الهادفة إلى خير الانسان . . ان كل نظرية ، أو نظام وضع لخير الانسان يستحيل أن يتم ويكمل من كل وجه إلا إذا قام على أساس المباديء التي أقرها الوحي من اللَّه سبحانه . . ومن هنا كثر النسخ والتقليم والتطعيم في الأنظمة الوضعية . . وإذا اتفق العلماء على كثير من النظريات الطبيعية المحسوسة فإنهم حتى الآن لم يتفقوا على نظرية سياسية أو اجتماعية على الرغم من مواصلة الدراسات ، وعقد المؤتمرات . . أبدا لا أحد أعلم بخير الانسان وهدايته إلى سعادته الخالدة إلا خالق الانسان ، وأي عاقل يشك في أن مخترع الآلة هو أعلم بها من غيره . ( لما بدل أكثر خلقه عهد اللَّه إليهم ) . المراد بعهد اللَّه هنا ميثاق الفطرة الذي أشار اليه الإمام ( ع ) بقوله : « ليستأدوهم ميثاق فطرته » . وبعد أسطر نتكلم عن هذا الميثاق بفقرة خاصة ، وقوله : « لما بدل أكثر خلقه » يومئ إلى أن البعض من عباد اللَّه ثبتوا على ميثاق الفطرة ، واستطاعوا بثباتهم هذا أن يعرفوا حق اللَّه ويعملوا به ، ويسمى هؤلاء بالحنفاء ، وكان منهم قبل بعثة رسول اللَّه ( ص ) ، أفراد وهم ورقة بن نوفل ، وعبد اللَّه بن جحش ، وعثمان بن الحويرث ، وزيد ابن نوفل . وتكلمنا عنهم في ج 5 من التفسير الكاشف ص 96 . . وقال بعض الفلاسفة : لو كانت كل العقول من النوع النبيل لكان جميع الناس عقلانيين ، لا يخطئون ولا يتميز أحدهم عن الآخر في حسن التصرف أو سوئه . ( فجهلوا حقه ، واتخذوا الأنداد معه ، واجتالتهم الشياطين عن معرفته ، واقتطعتهم عن عبادته ) . الشرك باللَّه ، والانصراف عنه نتيجة حتمية للجهل بحقه تعالى ، والجاهل ألعوبة الشيطان . . وفي بعض الروايات : أدنى العلم باللَّه الإقرار بأنه لا إله غيره ، وانه ليس كمثله شيء ( فبعث فيهم رسله ) مبشرين ومنذرين لكيلا يكون للناس على اللَّه الحجة ( وواتر إليهم أنبياءه ) . أي جعل بين نبي ونبي فترة قصيرة أو طويلة ، يقال : واتر ما عليه من الصوم أي أتى بالصوم وترا ، فصام يوما ، وأفطر يوما أو يومين .